Yahoo!

سينما ما بعد "مدينة الحزن" – سينما هاو تشاي - سين

كتبها معتز طوبر ، في 8 تشرين الأول 2008 الساعة: 15:51 م

سينما تايوان

 ترجمة وتقديم معتز طوبر

في نهاية السبعينيات واوائل الثمانينيات بدأت تظهر في بلدان شرق آسيا سينما جديدة بطابع وطقوسية محلية نتيجة لتغيرات مذهلة عرفتها, مثل الفلبيين وهونغ كون وبشكل خاص الصين وتايوان . وظهر جيل جديد مميز من المخرجين مضوا في ابتكار وخلق اعمالا سينمائية مبهرة مترابطة شكلت تحديا في عالم صناعة السينما المعاصر . ظهر اتجاهان مختلفان لأولئك المخرجين الذين حققوا شهرة واسعة في حقبة سينما” الموجة الجديدة ” .الاول سلك فيه البعض طريق الاثارة و الاغواء للدعاية والاعلان عن أعمالهم واضاءتها بميزانيات هوليودية ضخمة ( صنّاع سينما هونغ كونغ مثل ،جون وو . رنغو لامب. والتايواني آنغ لي والصيني تشينغ كيغ ) بينما تذكر اخرون- كنوع من النوستالجيا - اوطانهم واتجهوا لصنع افلام عظيمة ولا تقل اهمية عن الاخرى. تتعامل مع تاريخ بلدانهم السياسي والاجتماعي والحقائق الكامنة من خلال تجارب شخصيات يومية وهامشية . واذا كان الجيل الخامس من صناع افلام السينما الصينية قد مثل الانبعاث السينمائي وثقافة السينما الاسيوية لـ 20 سنة مضت بشكل يفوق عن جيرانهم الاسيويين . فانه يجب ان نلاحظ الى ان الانعاش السينمائي هذا بما يملكه من تلك النزعة المباشرة يعود الفضل له الى صناعة السينما في تايوان وخصوصا في اعمال هاو تشاي - سين صانع الافلام ، الذي اسس وبلا شك هوية سينمائية محلية مميزة وواضحة لبلده وطورها لتكون ذات اسلوبية سينمائية خاصة في عالم السينما المعاصر . تأسيس سينما وطنية نجد ان تاريخ صناعة السينما – على الاغلب - في تايوان من نهاية الحرب العالمية الثانية وما بعدها معقدا وشاذا ومشحونا مثل تاريخ البلاد نفسها . بداية تحت ضغط الحكومة الصارم نتيجة للاعلان عن قانون المارشالات العسكري الجديدالشمولي بعد ثورة ماو زينغ 1949م ( حيث قد فرّ اكثر من 2 مليون صيني الى التايوان , متحولة بذلك الى ولاية فاشستية ) . وبعدها بفعل الصناعة المحلية التي قضت على انتاج عقدين من الزمن. ولكن ثمة افلام وثائقية قدمت من هونغ كونغ كانت كبيانات ومنشورات ضد الشيوعيين اضافة الى افلام تحاكي الى حد التقليد الكوميديا الشعبية والسينما التاريخية وخصوصا افلام الفن العسكري المارشالي الشامل . في البداية كان انتاج الافلام السينمائية تحت رعاية شركة (cmpc) في الفترة الممتدة الى ما قبل عام 1960 م . ولكن تم بعد ذلك بناء استوديوهات سينمائية خاصة في تايوان بإشراف شركات من هونغ كونغ ، ساهمت هذه الاستوديوهات بوضع حجر الاساس لصناعة السينما ونجومها واعطت دعما مستمرا لديناميكة التطوير هذه . وتم تكريس صناعة السينما هذه مقابل ضريبة بثقل الفادن حقيقة . وفي منتصف السبعينيات عندما عملت تايوان الحديثة على الانتقال من الاقتصاد الزراعي والريفي الى دولة مبنية على التكنولوجيا وتصدير السلع الصناعية ، كان التقدم يحصل بسرعة ولم تعد عوائد تكريس الصورة(من توزيع واستهلاك) كافية لتغطية نفقات الانتاج . اضافة الى هذا سببت سلسلة من التغيرات الاجتماعية والسياسية كارثة للبلاد جعلته يخطو خطوات الى الوراء. فالتأزم الدبلوماسي مع الكثير من البلدان مثل اميركا واليابان في بداية السبعينيات حدث بعد استبعاد تايوان من الالعاب الاولمبية .وعليه نشأت ضائقة وطنية قادت البلاد الى ما يسمى ” عهد الانعكاس الذاتي ” نما فيه الشعور الوطني والعاطفة الجياشة تجاه الوطن ووجد ت هذه اليقظة اوجها في الفن حتى انها دعيت (تشاين توhsiang-t’u ) أي “الادب الوطني ” ، ليركز على خصوصيات التجربة التايوانية في حرب السنوات الاخيرة بعيدا من هيمنة الكتابة الغربية ومن لاجيئ البر الصيني . وهنا يمكننا ان نرى ان السينما الجديدة في البلاد كانت وريثة هذه الاعراف والتقاليد . ونرى ان الجيل التايواني المتعلم وبعض طبقات الموظفين قد نما وترعرع مع هذه السينما الجديدة -الصور المتحركة ، على الرغم من ان هذا النوع من السينما لم يتقدم بصورة كافية وقد دعيت هذه بثقافة الفيلم الريفي – السينما البلدية والتي صنعت هوية تايوانية مميزة و( كان ذلك بطريقة مشابهة لما حدث في امريكا والاقطار الاوربية المختلفة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين) كنوع من التحدي والتحفيز الذكائي لفن السينما . تصادف هذا مع ظهور الارشيف الوطني عام 1979م . وفي عام 1982م مع تأسيس مهرجان الفيلم السنوي ومع عدة مجلات سينمائية وبداية الشاشة السينمائية لكلاسيكيات بيت الفن الاوربي . كان الجميع من جمهور البلاد والصناعة والبلد نفسه مهيأ لظهور ” السينما التايوانية الجديدة “. وهكذا اهتمت شركة (CMPC) بـالجيل الاول من المخرجين في زمن ما بعد الحرب الاخيرة حيث تدرب العديد منهم في مدارس سينمائية امريكية ، و كانوا متحمسين لدخول عالم صناعة السينما (وا ن كان بداية في صنع افلام رخيصة وبزمن قصير) ، تضع تايوان على خط واحد مع دول اسيا الاخرى . وهكذا بدأت الموجة الجديدة بفيلمين انثولوجيين : (In Our Times 1982) و (The sandzzich Man1983) التي قادت الى ظهور العديد من صناع السينما ومنهم المخرجين الكبيرين ادوارد يانغ وهاو تشايو سين . هذا وبطرق مختلفة انجز مخرجون مختلفون تقدما في صنع افلام ضمن هامش حرية محدد تجنبا وخوفا من الرقابة . بتقنية ابتكارية عالية لقصص من الادب الوطني المحلي كفيلم” ساندويتش مان” مأخوذا عن قصص هانغ تشاين مينغ والتي كانت اكثر طموحا في اكتشاف مشاكل تايوان المعاصرة وتأثيرات حربها الاخيرة . ونجد ان سينمائيين اخرين تفاعلوا مع هذه الموجات جديدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ووقفوا بقوة ضد المعايير السائدة واسسوا لسينما وطنية خاصة تحاكي اوطانهم وتركوا بصمة سينمائية على الخارطة . ادوارد يانغ كان قد درس صناعة الافلام السينمائية وعمل كمهندس كمبيوتر في امريكا قبل ان يعود الى تايوان ليكتب سيناريوهات ويعمل في التلفزيون ، حصل على فرصته الكبيرة عندما اخرج (In Our Times) ومضى ليصبح بعد ذلك المؤرخ المعاصر لتايوان المدنية في افلام مثل ” قصة تايبيه” 1985م , ” الارهابي”1986م والاكثر حداثة”ماجونغ ” 1996م والفلم المهرجاني ” واحد واثنين” 2001م . ونجد ان افلامه قد التقطت بأسلوب ساكن وتأملي القصص التي تخطت الواقع وتفاعلت مع الحاضر الغني الفسيفسائي لبنية الحياة ، وجانبت كثيرا، قول ايريك بروم حول التفاصيل الطارئة والصغيرة اليومية حيث الافعال والاستجابات لاحداث حياتنا الحقيقية تكون مشحونة بوعي كبير (الاطناب والوفرة في فيلم ” ماجونغ”،الفقدان النسبي في “واحد واثنين”… ) فهو يقف عند بساطة الحياة اليومية ومجريات احداثها وما يمكن ان يتوارى وراء الجزئي والهامشي ليبني بروية وهدوء صورة حقيقية حسية , مركبة وعضوية بطابع محلي وتصور بصري لفيزيائية المكان وخصوصيته ( الزمن – المكان ) لينطلق الى العالمية …. . قصة تايوان من جهة اخرى لم يقدم هاو تشايو سين افلاما سحرية تستكشف التاريخ الحديث لبلاده فقط . بل هو وان كان قد وقف عند طرق معاصريه بشكل مطابق وعلني الا ان قصصه التي قدمها تمثلت بشخصيات هامشية وصغيرة تعيش حياتها الخاصة بشكل مضطرب وشاذ وفي ظل تاريخ مهيب . حقيقة ، كان السؤال الجوهري والذي ظهر بقوة ووضوح في اعمال يانغ او زينغ : ماالذي تعنيه انسانيتك وانت تعيش في هذا العالم المعاصر ؟(الذي لن يتجنب اي استكشاف لما تشكله اجزاؤهم من الهوية التايوانية ) والسؤال الشائع في سينما هاو هو : ما عليك ان تفعله لأن تكون تايوانيا معاصرا؟ . ولد هاو تشاين سين في 8 ابريل عام 1947م كفرد من الاقلية العرقية هاكا في جنوب البر الصيني مقاطعة غونغدونغ. فر من بلاده ناجيا من الحرب الاهلية مع والديه وكان في عمر سنتين ، بعد ثورة ماو زيدونغ عام 1949م .و بعد وقت طويل من الاستمتاع بالافلام ، دخل هاو الى كلية الفنون الوطنية التايوانية ملتحقا ببرنامج سينمائي وذلك بعد ان انهى خدمته العسكرية الاجبارية عام 1969 م. بعد تخرجه في عام 1970م عمل كمساعد مخرج ومن ثم كاتب سيناريوهات في نهاية السبعينيات (فهو وبالرغم من عمله كمخرج معروف فقد كتب سيناريو فيلم ” قصة تايبيه” للمخرج ادوارد يانغ عام 1985م وانتج فيلم ” ظهور المنارة الحمراء” وفي عام 1980 م حصل على فرصة اخراج فيلم طويل . وعلى الرغم من ان نتيجة الفيلم (الفتاة الظريفة 1980(م كانت غير مرضية , وكانت الميلودراما التقليدية التي قدمها عرضة للنقد السلبي فقد سنحت له فرصة اخرى ليخرج وليقدم نفسه كمخرج شاب سمحت له الظروف ان يعمل على مشروع سينمائي مستفيدا من التقدم الذي حصل في قانون الرقابة الجديد وليصنع ذلك النوع من الافلام الذي طالما تاق اليها كثيرا . العنوان الفرعي لفيلم “ساندويتش مان” لـ هاو لقب ب “لعبة الابن الكبيرة ” مأخوذا( مثل زينغ زونغزينغ و وان رين ) عن قصص هانغ تشينغ مينغ وهي على الاغلب لا تقوم على حبكة , بل انطباعية تركز على ازمة وضائقة الستينيات في تايوان ، حيث الاب الشاب الذي يعاني شدة الحاجة والبؤس لاطعام زوجته وطفله يعمل في عمل ذليل كموزع اعلانات في الطرقات . هذه القصة البسيطة التي لا تزيد عن 30 دقيقة تظهر رؤية معينة لـ لسينما هاو والتي ستصبح علامة تجارية بارزة لسنوات قادمة كثيرة . الحوار ظهر - على سبيل المثال- ( كما في عمل الاخيرين.. ) في اللغة التايونية والتي فُضلت على اللغة الصينية الفصحى (ماندرين) , بعد ان كانت قد استعملت كلغة رسمية للولاية تحت القمع ورد الفعل الحكومي الوطني في عهد تشاينغ كي شيكس( 1887 – 1975 ) . وعلى الاغلب يمكن القول بان الشخصيات في افلام هاو تتكلم بعدة لغات غير لغة ماندرين : عادة التايوانية وكذلك الهاكا والفوكنيس وحتى اليابانية . تصميم المخرجين الملح والفعال اظهر تايوان كانه بلد منفتح على العالم ،غير معزول وغير متحكم به وغير مغلق بالنسبة للغات والثقافات الاخرى ، ولكن بالرغم من ذلك تميز التايواني بالفردية والاستقلالية بشكل منقطع النظير . فهذه الامة كانت قد تخلصت من الحكم الياباني الكولونيالي لتنضم الى البر الصيني ومن ثم لتتحول الى جزيرة معزولة عنه في وقت قصير بعد الحرب العالمية الثانية ,ولتعيش حالة من الارتياب في العقل التايواني وقلقا وشك في اهمية وجودها يتضمن العوز الى الاستقرار والهوية المميزة . هاو قدم بتوق وعقلانية سينما سبرت الفوضى والاعتلاج هذا ، كنوع من التمثيل الثقافي الذي تجلي بطرح اسئلة صحيحة لا تقديم اجابات( وعلى الاغلب لا اجابات ابدا) لانه ليس من السهولة تقديم اجابات … السمة الرسولية التنبؤية الاخرى التي يمكن ان تؤخذ من فيلم ” لعبة الابن الكبيرة ” او ” رجل الساندويتش ” على الاقل بالنسبة لاعمال هاو في فترة الثمانينات (حيث اصبحت افلامه اكثر طموحا ومقتصرة على فئة قليلة من الناس في التسعينيات ) هي التركيز على العائلة والشخصيات الضئيلة ، متنازلة عن اعتبار كون هذه الشخصيات هامشية كمعيار وحيد لها (وهذا ما نجده هنا في هذا الفيلم) . مع انه يشبه ياسيجيرو اوزو(المخرج السينمائي الياباني ….) ، وقلما ما نجد تلك الاسرة الموسعة في افلامه ،تحكي القصة هنا عن حالة الفقر والتشرد التي تعيشه العائلة وعن تلك العلاقات الحميمية التي تجعل من افراد العائلة ابطالا نتيجة اكتساب شعور القرب من بعضهم البعض ,ايضا كما في فيلم ” حان الوقت لتعيش وحان لتموت” 1985م وبشكل خاص في فيلم ” الابنة في النيلي “1987م . الاختلاف الهام في افلام هاو الاخيرة في الثمانينيات عن تجربة فيلمه القصير” رجل السندويتش” يكون في ان شخصيات افلامه المحورية هي اطفال : اما تحت 12 سنة (السيرة الذاتية في فيلميه : “حان الوقت لتعيش وحان لتموت “1985م ، “الصيف في غراندبا” 1984م ) او مراهقين ( فيلمه “الاولاد من مينجيكي” 1983م ، ) . مع هؤلاء الابطال وعائلاتهم , عمل هاو على استكشاف (وان يكن ضمنيا ) الضغط المتأصل في المجتمع التايواني المعاصر , حيث وجب على الشباب النمو وتطوير انفسهم (لتطوير الوطن) حيث يمكن للقيم والعادات ان تتحطم وتزول في مغامرة البحث عن الهوية . وبتقارب الى حد كبير مع اوزو , نرى ان صراع الاجيال يسيطر هنا ( الصراع في فيلم “الصيف في غراندبا ” يكون بين المدني والريفي) والوعي الفعال لهذا التقسيم يعكس التغيرات والتباينات القلقة للوطن الذي عانى وما زال يعاني .والتركيز على الاولاد يمكننا من الشعور بـ تايوان الجديدة , ويمكننا من الوقوف على تمشكل الشخصيات واطالتها في رحلة قصيرة رخيصة الثمن الى داخل مملكة البلوغ (الصدام مع الجريمة في فيلم ا”لاولاد من فينجيكي” وفيلم ” الصيف في غراندبا” وبداية الوعي الجنسي في فيلم “الاولاد من فينجيكي”,و”الغبار في الريح” و”الاخت في النيلي” ) . وجهة النظر هذه تعزز فكرة (التحويل ) الامة الجديدة التي تتحرك بخطوات واثقة الى الامام بعد ان كانت اقليما لم يدون على الخريطة بعد . الاسلوب السينمائي ذوالنزعة التاملية والملاحظة لهذه الزمرة من الافلام ( قريبة من واقعية أيب مارك نورنيز) يولد شيئا ما من المصاهرة او التقارب مع ادوار يانغ و زينغ زونغ . اللقطات المأخوذة واللقطات الطويلة المختلفة نوعا ما والطويلة التي تسيطر على هذه الاعمال ( بمقارنتها مع مقترحات ميزوغيتشي نفسها على الرغم من انها كثيرة في اعماله الاخيرة عن اعماله الاولى الابكر ذات الاسلوبية الراديكالية والصارمة مثل فيلم “الاخوات في جوين 1936″م ) قائمة على قطع وتحريك الكاميرا (و بخلاف ميزوغيتشي ) ، تميل الى ان تكون وظيفية العمل وبحرفية مهنية . نلاحظ ان الدراما في هذه الافلام تكاد ان تنعدم ومبنية ( في الواقع، تتفق مع اوزو ) بقدر الامكان حول مشاهد عرضية حيث يمكننا ان نتخلى عن الكثير من اللقطات بقصد التجريد اذا احببنا ( لقطة رحلة القطار في بداية فيلم ” الصيف في غراندبا”) وهذه المشاهد لا تقدم معلومات قصصية نافعة ولا تدور حول حبكة معينة لقصة او تدور حول سببية ما او حول الفن السينمائي الذي يؤكد على الطبيعة السيكيولوجية للشخصيات والممثلين. سينما هاو في الواقع جريئة وعاطفية تترصد الحقيقة الظاهراتية المحسوسة وما يمكن ان تبطنه هذه المحسوسات البصرية كرؤية أي مخرج يقدم افلاما اليوم . في هذه الافلام نحس بإيقاعات بطيئة وغير مقصودة وبالنشاطات اليومية للحياة الريفية , ونرى ان هذه اللقطات تشكل اطارا لشخصيات مهملة وصغيرة ضمن هذه المناظر الطبيعية الريفية الواسعة (والتي تشبه الى حد كبير افتتاحيات افلام اوزو عندما يستخدم مناظر طبيعية خالية وداخلية والتي تكون خلفية ثابتة للمثلين والشخصيات والتي يمكن ان تشير الى ذلك الارتباط الشائع ما بين الناس وبيئتهم ومجتمعهم) أي فيما اذا كان ذلك صريحا علنيا في فيلم ” حان الوقت لتحيا وحان لتموت او ضمنيا ضامرا في فيلم ” الغبار في الريح ” اذ نجد على الاغلب في سينما هاو تلك الفكرة الرئيسية التي تحكي عن اناس صغار يعانون البؤس ويرزحون تحت رحمة قوى كبرى تهب حولهم كالغبار في الريح (حتى ان هذا الموضوع سيظهر لاحقا وبشكل علني في افلام هاو اللاحقة ) هذه اللقطات التي تسمى لقطات الوسادة “pillow” أي الراحة اولقطات التحول الى مشهد اخر لا تستعمل كثيرا عند اوزو بشكل متكرر ومعقد ، على الرغم من انها تمنح في افلام هاو (وكذلك اوزو) شعورا دافئا بطبيعة الحياة البشرية العابرة وشعورا بالوجود الانساني ,وعودة الى الطفولة المبكرة وكل ما يشير الى ذلك ضمنيا . اضافة الى ان نقد تايوان المعاصرة قد تطور في الاعمال الاخيرة ( وعلى الرغم من ذلك لم يلاحظ ) , هذه الاعمال الاولى المبكرة اتجهت على الاغلب لتشيخ وتأخذ منحى الروايات الرومانسية والذي به تُدخل الحقائق الغير سائغة فنيا او جماليا عنوة من العالم الراشد الى عالم الطفولة وتشوه براءته. مع ذلك ، عندما انتقل هاو في عام 1989م الى الطور التالي من تجربته السينمائية , فأن وعيه بالتغيرات الهائلة والكبيرة لطريقة الحياة المتآكلة وادراكه بان افق المرء العقلي قد اظلم , وسيقوده الى اتجاه اخر في افلامه الجديدة التي سياخذها . ما بعد ” مدينة الحزن ” : اخذت سينما هاو تشايو سين مجرى اخر- نوعا ما - في نهاية الثمانينيات وما بعد ، نحو مواضيع تاريخية -اكثر علنية – بصبغة سياسة واجتماعية واكثر تصفية ً وسمو لنغمة الطموح والرتابة والاسلوب حتى، (وفق نهج محدد عرفناه سابقا عند هاو) بداية بثلاثيته التايوانية : ” مدينة الحزن ” 1989م ، “السيد الدمية” 1993 م ، و”رجال طيبون ونساء طيبات ” 1995م حيث قام المخرج هنا باظهار خصوصية عالية بمزجه الملحمي مع الحميمي المعلن والمكشوف ،ضمن تغيرات شاملة وساحقة للصورة وذلك من حيث اعادة تشكيل رؤية بصرية كلية للشخصيات الهامشية . الرؤية الرسولية الواضحة في اعمال هاو الاولى الى ثلاثيته التايوانية ( وخصوصا ” مدينة الحزن “) تأكدت مرة اخرى في فيلمه ” حان الوقت لتحيا وحان لتموت ” اذ نرى فيه نوعا من المفارقة والتجاور بين متضادات حياتية هادئ – ساكن و مرير – قاس جدا . حيث يصورفيه ويلقي نظرة على نموذج لعائلة ريفية تعيش حالة من القلق الثقافي ما بين الرغبة في الرحيل ورغبة في البقاء اثر الحرب الاخيرة الممتدة من البر الصيني الى شمال تايوان اولا ومن ثم الى جنوب البلاد ، إذ نجد ان المخرج قد سلط ضوء كاميرته على شخصيات هامشية تعيش في ظل التاريخ وبشكل علني وان لم نقل فاضح ، متمثلة هنا في تلك الهجرة البشرية الى تايوان عقب الثورة الشيوعية الصينية عام 1949م . فيلم ” مدينة الحزن ” يرصد فترة الفوضى والشغب للسنوات الاربع التي سبقت الثورة (1945- 1949 ) أي الفترة الممتدة ما بين انسحاب اليابان من تايوان (بعد 51 سنة من الاستعمار) وانفصال البلد عن البر الصيني الرئيسي . هذه الفترة كانت مضطربة وغير مستقرة ويمكن القول عنها انها سياسية بامتياز و مدخل الى تاريخ تايوان في القرن العشرين . هاو هنا في عمله الذي يمكن القول عنه بانه العمل الحقيقي الاول له من حيث تكريس كامل طاقات طاقمه التمثيلي لبناء شريط سينمائي حقيقي ، كان قد ارخ بصورة مثلى عبر عدسة كاميرته للاحداث بتمريرها عبر شخصيات عائلة ” لين” تأخذ شخصيات عائلة ” لين” المساحة الاكبر في هذا الفيلم وتتمسرح حولها جميع احداث الفيلم ، فثلاثة اخوة ( من اربعة) لعائلة ” لين” سُلط عليهم الضوء وكانوا الابرز . الاخ الاكبر وين – يونغ عاد من الحرب ليؤسس مطعما في ذكرى احتفالية اعادة توحيد تايوان مع البر الصيني الام . الاخ الثاني وين – لينغ تورط في س

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

سمك الماكرييل ـ كائنات على الجليد

كتبها معتز طوبر ، في 6 تشرين الأول 2008 الساعة: 11:22 ص

مارك دوتي 

ترجمة معتز طوبر

 مارك دوتي يكتب: كيف أنجز قصيدته عرض سمك الماكرييل. في حانة على طريق اورليانس، ماسوتيشست. صدمت بمنظر اسماك الماكرييل المعروضة في واجهة الحانوت. لقد صُفّت على جليد ناعم مطحون وبدت براقة ومتلألئة .احببت كيف بدت عصاباتها وأهدابها، متناسقة وملونة وبمقاييس صنعية، خط اسود وآخر ابيض، اهداب مضيئة ومظلمة. سطوعها بدا كضوء الموشور على السطوح البينية وايضاً عيونها المستوية لم تخل من هذا البهاء. وقفت للحظات متكئاً على عربة أتأمل بشرود هذا المنظر حتى إنني نسيت نفسي تماما وسط هذا الجنون الضائع. انه نوع من المجاز للكتابة والشكر للآلهة على ذلك، فلو بحثت طويلاً عن معلومات تخدمني وتلهمني في الكتابة لكان الامر صعباً و بطيئاً جداً. انه نوع من البحث عن مولّد للمشاعر والأفكار، البحث عن وعاء او بئر يحوي ما يمكنه ان يمس الصعب والمشحون والقريب من مشاعرنا والمراوغ والمجادل والمواري لأحاسيسنا. هذه الشهوة او الرغبة ربما ستحقق أمانيّ بدرجة اقل او اكثر، ولا استطيع ان أقف على ما يخدم فكرتي لتكوين صورة كاملة وتخييلاً صحيحاً لي. سوى أنني تعلمت ان أثق بخيالي ليتلمس الطريق الصحيح نحو مشاعري وأحاسيسي وما تحتاجه. هنا رزمة من إشارات السحر والفتنة توَلّفُ على الحواس والتي تدفع بدورها انتباهي كاملاً لتلك الأشياء التي تحتاجها من عناصر وغيرها. أحياناً تبدو لي كأنها تيمة من تيمات العقل تحرسه وتحميه من كل انبهار جديد، شيء ما يكون صلة وصل للخارج نحو البراني المصادم لمشاعرنا. حيث يرفدني بقنواته وبياضه. شيء يزودني بتطلع ويوسع مداركي وربما يفي بالغرض المطلوب. وجدت نفسي وانا اقود سيارتي إلى البيت تاركاً الحانوت، افكر ثانية بالسمك، فخربشت بعض العبارات على مغلف رسائل وجد في السيارة وعلى زجاج السيارة وكل فسحة وجدتها مناسبة لأدنى شروط الكتابة. لم تكن مقاطع طويلة وتواقة، لكن في اليوم التالي حاولت وانا جالس على طاولتي ان اصف بساطة ما رأيت. انها عادتي دائماً، اذ ابدأ بوصف المشهد مبتدئا بالتركيز على الصورة، استلهاما لقصيدة جديدة ومفتاحاً لها. واذا كنت محظوظاً بعد ان أتم بحثي وتأملي ودراستي فان هذه الصورة التي هي مظهر للأشياء وسطحها، تكون في الحقيقة كناية لغلة وافرة من تخييلات المشهد والارتكاز عليه، وبطانة لفهم عميق، ستقودني إلى نوع من التبصر الذي سينفتح على مساءلة ومحاولة لتقصي هذا الانجذاب الذي جعلني أُصدم على هذا النحو. فالعالم مليء بالأشياء الجميلة والفاتنة ولكنها لا تجعلني اكتب او لا توحي لي او تلهمني وقتما أشاء، وهذا المشهد جزء منها. لكن هناك شيء ما جاذب وساحر في هذا الحدث جعلني محتاجاً لكل هذا التقصي والبحث. الوصف الاستكشافي هو محاولة عالم يقيس ما يرى ويسجّله، فالعبارة الثانية في القصيدة تتعدى كونها محاولة لرصد قشور وسطح المشهد الفيزيائي، إذ تضمر قائمة من المجازات (حيوان الابالوني، الجلد الصابوني، الحفر والبرك الزيتية………) فهذه المصطلحات الوصفية ليست تسجيلا للحقائق الفيزيائية والبيولوجية فقط ، بل هي كأي وصف، تعكس الحالة النفسية للملاحظ (الشاعر هنا) مع كل المحاولات بتظاهرها بالحياد والانسلاخ عن الكاتب نفسه. لكن بدلاً من اقتراح بؤرة لمشهد ما او نواة ننطلق منها، فاننا نتوقف تجاه ما رأيناه حقيقة. وفي هذه الحالة يمكن ان تحل أي واحدة من هذه المجازات المقترحة محل الأخرى. فهيكل المحارة او موشور فقاعات االصابون الملون او البرك المائية المشرحة للصدر، هي رؤية واحدة تتعدى مجرد كونها سطحاً، وتذهب إلى عمق يرصد داخلك النفسي. وهكذا أصبحت لديّ رؤية واضحة لمجرى قصيدتي، بعد ان اخذ التخيل الذي انشده جهة واضحة كبينة لهذه المجازات او الاصطلاحات. ربما في يوم آخر او وقت آخر من حياتي سيكون سمك الماكرييل كناية لشيء ما. ربما كان امتحاناً آخر لي لتقصي عن جوهر موضوع جديد غير هذا. لكن الآن بدأت تتحلّل عُقَد القصيدة وبدأت دواخلها تنفلج وتنبسط امامي. والجملة التي عالجت بها هذه القصيدة هي: بهاء، بهاء لا احد في هذا الطريق الرفعة والتميز من هذا التراتب و التعاقب والاصطفاف لا شيء يحكى حول فرادتها . مبهج بالنسبة لي، أن تنشرح القصيدة أمامي، وتندفع المساءلة إلى الأمام، وينتقل الجهد حول القصيدة من الاستغاثة إلى التأمل. فاتجاه القصيدة ومسلكها أصبحا واضحين. ومدى التحرك في مجال الصورة وطاقتها أصبح مفتوحاً على الأقل في هذه الخطوة الاولى، وهذا الحماس وهذه الحيوية وضعاني أمام تأويلين للعبارة: الأول اعتبرَ السمك كصدى لمثالية ما، من نوع سمك ماكرييل الافلاطوني؛ والاخر إبداع لخلق معقد وجوهري حافل بالتكرار ولا يمكن الاستحواذ على شبيه له. بالطبع معالجتي لقصيدتي ليست بريئة او نظيفة تماماً. كانت هناك بدايات خاطئة، مفاتيح خاطئة، اقلقتني فرميت تلك التي بدت غير نافعة ولا تقودني إلى هدف واضح. لا استطيع أن اتذكر الآن بعض هذه المحذوفات، لأن متعة كتابة القصيدة طفت على كل شيء وسحرها سيطر على ذاكرتي. اقتنع وأظن بأن ثمة فبركة و صنعة لمعالجة التساؤل المطروح لدي. والاكشن الذي غلف تلك المساءلة كان، حقيقة، هو دراما القصيدة وروحها. انه تقليد يحاكي تعاقب الإدراك الحسي والتأملي وكان محاولات لجعلنا نفكر بأن هذا الشعور والتفكير والمعرفة تحدث حتى لو كانت القصيدة موجودة. فالقصيدة على أية حال هي نقل أحداث او ترجمة لتجربتنا بطريقة لا تكون بريئة تماماً. وهنا لا داعي للقول بأن قصيدتي احتاجت إلى الكثير من الحذف والتشطيب والإعادة والتكرار، وبأن سطورها كانت ركيكة وبمقاطع غير مكتملة إلى ان وصلت إلى ما هي عليه من توصيف وزخرفة. أحب أيضاً العمل على الكمبيوتر لأنني اكتب بسرعة حيث كل شيء في هذه اللحظات يقرأ كنتاج أخير، ولا يكون صحيحاً دائماً عندما استعمل يدي. ولكن شعرت باكراً بان قصيدتي بدت وكأنها تنحو وتميل لان تكون قصيرة. فانا أحببت طقطقة وتقطيع الحركة للجمل المتوسعة فوق لوحة المفاتيح، والتركيز على سطر قصير مضاء ومصاغ بوضوح وساطع يشعرنا بتمثل وفهم المصطلحات فهماً صحيحاً (متقزح اللون، مائع ومائي) على سبيل المثال، و يجعلني مبتهجا ومغتبطا لوحدة السطر و

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

صعوداً إلى أبها حيث الغيوم سريعة الحركة وخفيفة الظل

كتبها معتز طوبر ، في 6 تشرين الأول 2008 الساعة: 11:13 ص

معتز طوبر

كان الجو سديمياً ومبللاً ومنعشاً عندما حطت الطائرة في مطار ابها. لا يشبه جو الرياض المتآين لشدة حرارته ولا جو مدينة الخبر على الخليج العربي ذي الرطوبة العالية والحرارة الشديدة. تقع ابها على قاعدة جذع مخروطي ـ أي على قمة مخروط قُص رأسه بسكين ـ. يحيطها طريق باتجاهين على شكل حزام دائري مسوّر باشجارالاكاسيا واشجاراخرى هجينة دائمة الخضرة، اذا انطلقت من نقطة على هذه الدائرة تعود اليها واذا احببت ان تدخل إلى مركز المدينة (سوق القبة) فكل الدروب من هذا المحيط تقودك اليه فلا متاهات ولا يضيع احد في طريق وصوله إلى المركز فالامر لا يتعدى كونه مجرد مركز دائرة ومحيطها. وتنسرب من جوانب هذا الجذع المخروطي، الطرقات المؤدية إلى جبال عسير الوعرة بعقباتها (وقد عرف عن كل طريق ملتو وقاس يعبر الجبال منحدرا نزولا بمعية كوابح السيارات وقلوب السائقين بطريق العقبة وهنا تكثر العقبات فهناك عقبة محايل وعقبة رجال ألمع ـ تهامة وعقبة جيزان……). وطرقات اخرى تقودك إلى جبال وقمم اعلى من مرتفع الجذع هذا. ابها التي ترتفع عن سطح البحر ما يزيد عن 2400 م يصعقك جوها لغرابته وجماله فهو كخلائط المعادن ريح نقية طافية برائحة شجر العرعر من الجبل وغبار خفيف قادم من خيلاء الربع الخالي. وغيومها لا ترى بقدر ما هي ممزوجة وملتصقة بالشوارع وجدران البيوت، وليست ظاهرة وواضحة بقدر ما هي راكدة وتتلاعب ببصيرة الوقت وتتماهى مع قرص الشمس . وان كنت لم اخطط لشيء في حياتي مع انني كنت مسرعاً ومتهوراً احياناً في ذلك واقصد التهور والسرعة في اختيار مسالك ليست ضرورية بالنسبة لي مع يقيني بان الخطأ ليس خطأ دوما وان الملاحظة الشديدة تجعلك تطفو على السطح، استطيع ان اقول بانني مشيت مع الغيوم في طرقات ابها وحدائقها واستنشقت ايوناتها المائية السالبة والموجبة. وغيومها ضد ما يمكن تسيمته ضباباً فالضباب اكثر كثافة واقل حركة او ساكناً. اما الغيوم فهي سريعة الحركة وخفيفة الظل على الجسم على الرغم من تسمية احد احياء المدينة بحي الضباب. هذا وتنحدر البيوت على اطراف جذعها المخروطي لتتصل الاحياء ببعضها البعض وتغدو بلون نبتة الفطر على جبل صخري مشرق. ابها مدينة ماطرة صيفا وشتاء وان كان وقع مطرها شتاء أشد وحشة، لكن غيومَ صيفِها اصواتٌ ولمعان اذا صح التعبير فاكثر ما يقلقك هو صوت الرعد الجهوري كأنه محبوس ضمن طبل صفيح انفجر فجاة في وقت قيلولتك في نومك واحلامك عبر جدار بيتك او اخذ يتحين فرصة أي خروج واية حرية وبرقُ غيومِها كأنه محمول على الواح كهربائية من معدن نحاس اصفر صقيل، تتفرغ شحنته الكهربائية السالبة في جميع الاتجاهات من سطحه ومن اطرافه ايضا. وان تزامن حدوثهما معا الا ان صوت الرعد الزلزالي الجهنمي المخيف والمرعب يسبق هذه المرة لمع البرق كأنه لمع سراب بعكس علمية الفكرة حول سرعة الضوء عن الصوت أي سرعة البرق عن الرعد. وكما العادة ترفع الدعوات في وسط البلاد وشمالها للوقاية من الحر الشديد الجحيمي. هنا في الجنوب ترفع الدعوات خوفا من هذا التزامن الفظيع لصوت الرعد وانكسار البرق على اطراف الجذع المخروطي لـ ابها. بعد ان وصلنا إلى بيتنا زوجتي وابنتي وانا، الذي يقع على تلة صغيرة مطلة . احسسنا بنقص الاكسجين وهو الامر الذي لم نعتد عليه حتى في جبال سوريا الساحلية فتلك الجبال كما هو معروف لا يزيد ارتفاع اعلى قمة فيها عن 1800 م. وهنا تحتاج من الزمن لسلق بيضة مثلا ضعف ما تحتاجه في سهول الغاب الواقعة على السفح الشرقي لجبال الساحل حيث عشت طفولتي وشبابي الاول وطبعا بسبب نقص الاكسجين الذي يتزايد (نقصه) طردا بارتفاعه عن سطح البحر. بالنسبة لي تعودت طبيعة الحياة هنا فلا حياة شعبية في الخليج العربي عموما والسعودية خصوصا والمدن حديثة وصلتها ثورة العمارة متأخرة. فان تمشي في شارع ليتفرع إلى شارع اخر وليقودك إلى مقهى حيث تتوقع لقاء الاصدقاء دون موعد مسبق هو حلم من احلام اليقظة غير المحققة وتحتاج لفبركة موعد مع احد الاصدقاء إلى اسبوع كامل وذلك لضغط العمل من جهة والكسل المتأسس ـ هنا بحكم العادة اخيراً ـ من جهة اخرى دون ان يكون الكسل حالة تأمل كما يقول البير قصيري. والجنوب منطقة حدودية مع اليمن لذلك لا غرابة ابدا ان تتشابه الطبائع والسلوكيات لاهل الجنوب مع اهل اليمن حتى في الشكل البيولوجي والذي يفرض سلوكا بيولوجيا متقاربا ومتشابها كما تقول النظريات الحدثية. ومعظم اهل الجنوب اهل جبل وطباعُ اهلِها طباعُ اهلِ جبل ايضا. خشنة الملامح ومزاجها عكر عصبي سريع التشكل وسريع الزوال لا يطمئن الا بأكل لحم التيوس كما جرت العادة عند أهل الجبل وحاشي الجمل في المناسبات..، تناوبت عليه (الجنوب) حضارات كثيرة من دور الملك سليمان بن داود إلى العثمانيين وكلٌ ترك منه اجزاء فالحاميات العثمانية تكثر هنا على الطرقات التي تربط اليمن بمكة المكرمة والمدينة المنورة إلى اسطنبول والاستانة عبر قطار الحجاز. واسماء واشكال الجنوب ما زال الكثير منها مرتبطا باسماء واشكال جنود الملك سليمان اذا صحت طريقة المقاربة هذه… فالحي الذي أسكن فيه يسمى ثرسبتة وكثير من الاماكن والاحياء تستطيع ان تحس بملامستها للاسماء العبرية او اللهجات العربية القديمة (اذا امكن ان نعتبر ان العبرية احدى اللهجات العربية القديمة او تشترك مع العربية والسريانية بجذر لغةٍ واحد)، اليهود سكنوا الجنوب هنا كما سكنوها في شمال اليمن بعد ان قدم الملك سليمان إلى اليمن فضولا ومحبة وتزوج ملكتها بلقيس ملكة سبأ بشجن وسحر المحبة القديمة تلك وربما تواضعا ايضا. وقلعة شمسان، الذي يعود تاريخها إلى الالف الثالث قبل الميلاد، احدى معالم هذه المدينة التي تشهد على تراكم الحضارات. اضافة إلى قلاع اخرى مثل قلعتي ابو الخيال وقلعتي الدقل. ولكن الطفرة البترولية في السبعينيات أكسبت هذه المدينة بسرعة مذهلة وبوقت قصير جدا حضارة الثورات العلمية في العالم كله (طبعاً كباقي اجزاء المملكة) وجعلتها تنفتح على كل قادم جديد. الحي الذي اسكن فيه قريب جدا من شارع المطاعم الشهير، هذا الشارع يلامسك بقوة بعد ان تقرأ اسماء المطاعم على جانبيه فمن مطعم تنورين إلى مطعم البيت الشامي تجد مطعم الكبابجي وفلافل لبنان والعوافي وبيت المندي ومطعم دار حراء للمظبي والمضغوط وغيرها الكثير من المطاعم التي تكون ظهيرة ملقى البطون من كل حدب وصوب. التقيت في ابها بمعية الشاعر عيد الخميسي بالشاعر اشرف فياض الفلسطيني الاصل المولود في

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb